زواج القاصرات - اغتصاب
اخبار منوعة الارشيف شبابيك

صابرين بعلوشة / لم يعد بمقدور المغتصب الزواج من ضحيته …هروبا من العقاب

#الصنارة / منذ فترة ليست بالبعيدة ، وأثناء وجودي في إحدى قاعات المحكمة الشرعية ؛ بغية مقابلة إحدى السيدات للإطلاع على تفاصيل قصتها ، وجدت نفسي مشدودة لمتابعة قضية امرأة أخرى ، في العقد الخامس من العمر ، تبكي بحرقة وهي تهمس لابنتها ، المكبلة بالقيد بكلمات مبهمة ، لم استطع مقاومة فضولي ، اقتربت منها وحاولت بإسلوبي الخاص التقرب إليها ، وما أن سألتها عن ملابسات قضيتها حتى أجهشت هي وابنتها بالبكاء قائلة من بين دموعها :

هذا يوم زفاف ابنتي في البداية لم أفهم ماذا تعني ، سألتها مرة أخرى : ماذا تعنين ! قالت : ستتزوج ابنتي ممن قام باغتصابها ؛ نحن مجبورين على تزويجها منه ،حتى نتجنب الفضيحة والعار .وحتى لايقوم شقيقها وأبناء عمومتها بالخلاص منها بالقتل .

لم استطع أن أعرف المزيد منها ، ولكن ما حدث بعد ذلك كان كافيا لإيضاح الموقف ، فقد دخلت الفتاة برفقة العسكري ، تتبعها والدتها إلى مكتب القاضي الشرعي ، حيث كان والد الفتاة باتنظارها ، ثم تم إحضار الجاني وعقد قرانهما ، وسط دموع الأم ، وحرقة قلب الأب ، الذي طعن في صميم كرامته . .

هكذا تزوجت (م .س ) من مغتصبها….. وفق نص المادة (308 ) من قانون العقوبات الأردني إن جريمة الإغتصاب من أعظم الجرائم وأشدها خطورة ، لما فيها من هتك المحرمات ، والتعدي على الطاهرات العفيفات ، لذا يجب إيقاع العقوبة الرداعة على المغتصب ، جزاء فعلته ، لهذا فقد تم الغاء هذه المادة من القانون ، على اعتبار أنها تمتهن كرامة المراة والمجتمع ، وكون العدالة الإجتماعية لا تتحقق إلا بالردع ، وكذلك من أجل سيادة القانون ، وعدم وجود ثغرات للافلات منه ، بحيث يتم تطبيق العقوبة على الجاني بغض النظر عن زواجه من المجني عليها من عدمه .

إن المادة (308 ) من قانون العقوبات كانت تسمح لمن يقوم بجريمة الإغتصاب ، وجريمة الاعتداء على العرض وهتكه ، بالزواج ممن اعتدى عليها ، وفي حال صدر حكما بالقضية ضده أوقفت الملاحقة القضائية ، وعلق تنفيذ الحكم ، على أن تستعيد المعتدى عليها حقها في متابعة شكواها ، قبل انقضاء خمس سنوات ، إذا إنتهى الزواج بالطلاق بإرادة الزوج ، أو اتباع أسلوب التهديد والإرغام ؛ من أجل ستر الفضيحة وحماية المرأة من القتل والعار ،

بيد أن تلك المادة لم توفر للمجني عليها الحماية الكافية التي تكفل لها الحياة الحرة الكريمة . وقد اعتبر بعض الناشطين الحقوقين بأن هذا يعتبر بمثابة مكأفاة للجاني ، وأنه بمثابة اعتبار المرأة مسؤولة عن أي اعتداء يقع عليها ، ومصادرة أحاسيسها ، واختزالها في سلسلة من المعتقدات البالية ،التي يتبناها المجتمع الذكوري ، وكذلك فان الشخص الذي يقوم بالزواج من ضحيته قد يستغلها في أمور الدعارة ، ويقوم بمعاملتها معاملة الخدم ، فلا مشاعر زوجية ولا احترام ، وقد تلجأ الضحية في بعض الأحيان إلى الإنتحار ، لاسيما حين تطبق بحق فتيات اغتصبن بعمر (15 _ 18 ) عاما .، ناهيك لما للعنف الجنسي من عواقب وخيمة على الضحية ، من الناحية النفسية والجسدية ، وزواجها من المعتدي قد يفاقم هذه المأساة ، ثم أن هذه المادة من وجهة نظر البعض ، تدعو إلى تفشي الفاحشة في المجتمع ونشر الرذيلة ، حيث تشجع المادة على ممارسة الجنس، في فترات مبكرة من العمر ، ليصار إلى تزويجهم لاحقا .

سبقت الاردن عدة دول بالغاء هذه المادة من قوانينها : مثل مصر والمغرب والعراق وتونس ، وكذلك لبنان . ولكن السؤال الذي يطرح نفسه _ماهو مصير المجني عليها في حال لم يتزوجها مغتصبها ؟ وأين يستقر أمرها ؟ وكيف يتفادى أهلها العار الذي لحق بهم ..؟ لابد أن مصيرها الحتمي سيكون القتل ؛ من أجل درأ العار ، وغسل الشرف ، فنحن نحيا في مجتمع قبلي عشائري ، له تقاليده وأعرافه التي تحكمه ، وبالتأكيد لن يرضيه أن يتم الحكم على الجاني بالسجن ـ أيا كانت االمدة ، وسيصبح دمه مهدور ، لأن العار سيظل يلاحقهم ، لا سيما بعد خروجه من السجن ، ثم ماذا لو تم إنجاب طفل بطريقة غير شرعية ..!! كيف يمكن إثبات هذا النسب من غير زواج صحيح ، وإقرار الأب ؟؟ بغض النظر عن نتائج فحص الحمض النووي ، التي لا تأخذ بها المحكمة الجنائية ، في ظل عدم اعتماد قانون الأحوال الشخصية فحص (DNA ) ،

فبحسب المادة (157) من قانون الأحوال الشخصية : فإن الطفل الناتج عن الزنا والإغتصاب لايصار نسبه إلى أبيه ، إلا بإقرار والده بأنه ناتج عن زواج شرعي صحيح ، مما يؤدي إلى اختلاط الأنساب ، لذلك فان الغاية من تزويج الفتاة المغتصبة من مغتصبها هو الحفاظ على نسب الطفل ، والحفاظ على حقوقه . وترى إحدى اخصائيات الطب الشرعي في دائرة حماية الأسرة ” أن الخطأ يكمن في تفسير المادة ، من قبل بعض منظمات حقوق الإنسان ، وحقوق المرأة ” وتؤكد الدراسات والأبحاث أن حالات الإغتصاب الفعلية في مجتمعنا نادرة الحدوث ، وما يحدث في بعض الحالات هو أن الفتاة التي يقل عمرها عن 18 عاما تخرج مع حبيبها برضاها التام ، وتمارس معه الجنس لتضع أهلها تحت الأمر الواقع ، وتفرض عليهم زواجها منه ، وهذا يصنف في القانون اغتصاب ، كونها تقل عن 18 عاما . فما هو الأفضل في مثل هذه الحالات زواج الفتاة وفقا للمادة (308 ) أم تركها ليقتلها أهلها ؟؟

الاردن يشهد ارتفاعا بنسبة 52 بالمئة في جرائم الشرف .، وأكثر من 26 جريمة قتل نفذت بحق سيدات تحت مسمى جرائم الشرف .. فهل اتخذت وزارة التنمية التدابير اللازمة ، وهل الحكومة قادرة على التعامل مع الظروف الناجمة عن الغاء تلك المادة ؟! واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الضحايا ؟!

في الواقع أنني مع تعديل المادة وعدم الغائها بالمطلق ، مما يحقق العدالة للضحية ، ويعاقب الجاني على جريمته . ومن الجدير بالذكر أن الحالات التي تصنف بالإغتصاب في الأردن ، أقل بكثير من حالات هتك العرض . وتبقى القضية معلقة ، في حالة كون المجني عليها متزوجة ، أو كان الجاني يمنعه الارتباط بها ، رابط دم أو نسب ، أو في حال عدم بلوغها السن القانوني ، أو اختلاف الديانة ، كذلك لايمكن تطبيقها في حالات هتك العرض اذا كان الجاني و المجني عليه من الذكور او الاناث .

نرى ضرورة الغاء نص المادة (308 ) من قانون العقوبات ، في بعض حالات الاغتصاب وهتك العرض فقط ، لأن وجودها إهدارا للحماية الجزائية للعرض ، وهدرا لكرامة المرأة ، وإفلات الجناة من العقاب ، ولكنها حلا في بعض الحالات الأخرى ، لاسيما المواقعة بالرضا والناجمة عن علاقة حب بينهما ،

في المقابل يجب على الحكومة تغليظ عقوبة القتل بداعي الشرف ، وعدم منح الجاني العذر المخفف .، سواء في حالة الغضب ، أو اسقاط الحق الشخصي ، فلا يجوز أن تكون العقوبة إعدام ، وتخفف لسنه واحدة ، وذلك من باب توفير الحماية للمرأة ، وردع وعدم التحفيز على ارتكاب الجريمة.

فريق موقع صنارة
مجموعة كتاب يشكلون جزء من فريق صحيفة الصنارة الاسبوعية يهتمون بالاخبار والسياسية والرياضة والاقتصاد.